حين تتعب النفس… هل تنسى الذاكرة؟
العلاقة الخفية بين الصحة النفسية والذاكرة: كيف يمكن للقلق والضغط النفسي والاكتئاب أن يغيّروا طريقة تذكّرنا للأشياء؟
هل حدث لك من قبل أن دخلت غرفة ثم توقفت للحظات لأنك لم تتذكر لماذا دخلتها؟
هل جلست أمام ورقة امتحان أو في اجتماع مهم، وشعرت أنك تعرف الإجابة جيدًا، لكن عقلك فجأة أصبح فارغًا؟
هل مررت بفترة من القلق الشديد جعلتك تنسى مواعيد، أسماء، تفاصيل، أو حتى أشياء كنت تحفظها بسهولة؟
في كثير من الأحيان نعتقد أن المشكلة في «الذاكرة» نفسها، فنقول: أنا ذاكرتي ضعفت… أنا بقيت بنسى كتير.
لكن العلم يخبرنا أن القصة أكثر تعقيدًا.
أحيانًا لا تكون المشكلة أن الذاكرة فقدت المعلومات، وإنما أن العقل لم يكن في الحالة النفسية المناسبة لتسجيلها أو استدعائها.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر العلاقات إثارة للاهتمام في علم النفس وعلم الأعصاب: العلاقة بين الصحة النفسية والذاكرة.
الذاكرة لا تعمل وحدها
الذاكرة ليست مجرد «خزان» نضع فيه المعلومات ثم نستخرجها وقت الحاجة. إنها عملية معقدة تبدأ بالانتباه، ثم ترميز المعلومات، ثم تخزينها، وأخيرًا استدعائها.
وفي قلب هذه العملية توجد مناطق دماغية مهمة، من أبرزها الحُصين (Hippocampus)، وهو أحد المكونات الأساسية المرتبطة بالتعلم والذاكرة، خصوصًا الذاكرة التصريحية والسياقية.
وعندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي شديد أو مستمر، لا يتغير شعوره فقط، بل يمكن أن تتغير معه طريقة عمل بعض الدوائر العصبية المرتبطة بالتعلم والذاكرة. وقد وجدت مراجعات علمية أن الضغط المزمن يمكن أن يؤثر في وظيفة الحُصين والمرونة العصبية، وأنه يرتبط بضعف بعض أشكال التعلم والذاكرة.
وهنا تظهر مفارقة مدهشة:
الضغط النفسي ليس دائمًا عدوًا للذاكرة… لكنه عندما يتجاوز حدًا معينًا قد يتحول من محفز إلى مُربك.
لماذا ننسى عندما نكون قلقين؟
تخيل طالبًا يجلس في قاعة الامتحان.
لقد ذاكر طوال الليل، وراجع المعلومات عشرات المرات.
وعندما يبدأ الامتحان، يقرأ السؤال الأول…
وفجأة: لا شيء.
يشعر أن كل ما درسه اختفى.
لكن المعلومات في كثير من الحالات لم تختفِ بالفعل.
ما يحدث أن القلق يستهلك جزءًا كبيرًا من الموارد العقلية التي يحتاجها الإنسان للتركيز والاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة العاملة. وعندما يصبح العقل منشغلًا بالخوف من الفشل، أو مراقبة الوقت، أو التفكير في نظرة الآخرين، تقل الموارد المتاحة للمهمة الأساسية.
ولهذا قد يقول شخص بعد انتهاء الموقف:
«أنا كنت عارف الإجابة… بس وقتها دماغي وقفت.»
وهذا المثال البسيط يوضح أن الأداء الذاكري يتأثر بالحالة النفسية التي يحدث فيها التعلم والاستدعاء.
والأبحاث تشير بالفعل إلى أن تأثير الضغط على الذاكرة ليس بسيطًا أو في اتجاه واحد؛ فالضغط الحاد قد يعزز بعض أنواع الذكريات، بينما يمكن للضغط الشديد أو المزمن أن يضعف أنواعًا أخرى، خاصة تلك التي تعتمد على الحُصين.
حين يصبح العقل في حالة تأهب دائم
الجسم لديه نظام إنذار داخلي.
عندما نشعر بالخطر أو الضغط، ينشط نظام الاستجابة للضغط، وتحدث تغيرات هرمونية وعصبية تساعدنا على التعامل مع الموقف.
في اللحظات القصيرة، قد يكون هذا مفيدًا.
فإذا كنت تقود سيارتك وفجأة ظهر أمامك خطر، فإن ارتفاع الانتباه وسرعة الاستجابة قد يساعدانك على النجاة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى نمط حياة.
ضغط في العمل.
مشكلات أسرية.
خوف مستمر.
قلق بشأن المستقبل.
نقص في النوم.
تفكير متواصل.
عندها لا يحصل الدماغ على فرصة كافية للخروج من حالة التأهب.
وقد ارتبط التعرض المزمن للضغط بتغيرات في مناطق وشبكات عصبية تشارك في الذاكرة والتعلم، بما في ذلك الحُصين. وتشير مراجعات علمية إلى أن ارتفاع هرمونات الضغط لفترات طويلة يمكن أن يؤثر سلبًا في بعض الوظائف المعرفية.
ولهذا ليس غريبًا أن نجد شخصًا يعيش فترة طويلة من الضغط النفسي ويقول:
«أنا مش قادر أركز… وبنسى بسرعة… ومش عارف أنا مالي.»
الاكتئاب لا يؤثر في المزاج فقط
من الأخطاء الشائعة تصور أن الاكتئاب يعني فقط الحزن أو فقدان المتعة.
الاكتئاب يمكن أن يصاحبه أيضًا تغير في عدد من الوظائف المعرفية، ومنها الانتباه، وسرعة معالجة المعلومات، والذاكرة.
وهذا يفسر لماذا قد يشعر الشخص المصاب بالاكتئاب بأنه أصبح أبطأ في التفكير أو يجد صعوبة في تذكر بعض المعلومات.
وتشير الأدلة البحثية إلى وجود ارتباط بين بعض الاضطرابات النفسية، ومنها الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وضعف بعض اختبارات الاستدعاء اللفظي والوظائف المعرفية.
لكن من المهم هنا أن نتوقف عند نقطة شديدة الأهمية:
ضعف التركيز أو النسيان أثناء فترة نفسية صعبة لا يعني تلقائيًا وجود مرض نفسي أو مرض عضوي في الدماغ.
فالذاكرة تتأثر أيضًا بالنوم، والإجهاد، والعمر، والأدوية، والحالة الصحية العامة، وغيرها من العوامل.
والمفارقة الأكثر غرابة: لماذا نتذكر الأشياء المؤلمة؟
إذا كان الضغط النفسي يمكن أن يضعف الذاكرة، فلماذا يستطيع الإنسان أحيانًا تذكر موقف مؤلم حدث منذ سنوات، بتفاصيل مذهلة؟
قد يتذكر مكانه.
ورائحة المكان.
وصوت شخص كان موجودًا.
وكلمات قيلت له.
وأحيانًا حتى الملابس التي كان يرتديها.
هنا نكتشف أن الضغط النفسي لا يمحو الذكريات ببساطة.
بل يمكن أن يعيد تشكيل طريقة تكوينها واستدعائها.
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الاستجابة للضغط تؤثر في عدة مراحل من الذاكرة، منها تكوين الذكرى، وتحديد سياقها، واستدعائها، ومرونتها. وفي بعض الظروف قد تصبح الذكريات المرتبطة بالخطر أو الانفعال أكثر بروزًا، بينما تتأثر جوانب أخرى من التذكر.
وهذا يساعد على فهم أحد الأعراض المعروفة في اضطرابات مثل اضطراب ما بعد الصدمة، حيث يمكن أن تصبح بعض الخبرات المؤلمة شديدة الحضور، وأحيانًا تظهر بصورة اقتحامية ومتكررة.
أي أن الدماغ لا يتعامل مع كل الذكريات بالطريقة نفسها.
ما يراه العقل مهمًا للبقاء قد يحصل على «أولوية» مختلفة عن المعلومات اليومية العادية.
ماذا نتعلم من حياة العلماء والشخصيات التاريخية؟
ربما يكون من أكثر الأمور إثارة أن التاريخ مليء بشخصيات عظيمة تحدثت عن الضغوط النفسية أو الصراعات الداخلية.
لكن يجب أن نكون حذرين هنا.
لا يمكننا أن نأخذ سيرة شخصية تاريخية ونضع لها تشخيصًا نفسيًا بأثر رجعي دون تقييم سريري مباشر.
ومع ذلك، يمكن لبعض القصص أن تساعدنا على فهم العلاقة بين الحياة النفسية والأداء العقلي والإبداع والذاكرة.
أبراهام لنكولن… العبقرية التي عاشت مع «الميلانكوليا»
الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن من أشهر الشخصيات التاريخية التي دُرست حياتها النفسية.
وتشير مصادر تاريخية وطبية إلى أنه مر بفترات شديدة من الاكتئاب، حتى إن بعض الباحثين تحدثوا عن نوبات اكتئابية واضحة في حياته.
لكن اللافت ليس مجرد وجود المعاناة النفسية.
اللافت أن حياته تذكرنا بأن الاضطراب النفسي لا يساوي انعدام القدرة العقلية أو الإبداع أو الإنجاز.
يمكن للإنسان أن يعاني نفسيًا وفي الوقت نفسه يمتلك قدرة عالية على التفكير والتحليل واللغة واتخاذ القرار.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في مواجهة الصورة النمطية التي تربط الصحة النفسية بالضعف العقلي.
تشرشل و«الكلب الأسود»
أما ونستون تشرشل، فقد ارتبط اسمه طويلًا بتعبير «الكلب الأسود» لوصف فترات من المزاج المنخفض أو الاكتئاب.
لكن القصة أكثر تعقيدًا مما يتم تداولها عادة.
فالأبحاث التاريخية حول حياته تشير إلى وجود أدلة على فترات من الاكتئاب أو المزاج المنخفض، لكنها في الوقت نفسه تحذر من القفز إلى تشخيصات نفسية محددة بأثر رجعي.
وتزداد القصة إثارة عندما نعرف أن تشرشل نفسه كان يتحدث عن أهمية تغيير النشاط لمواجهة الإرهاق النفسي والعقلي، وكان الرسم بالنسبة إليه نشاطًا مهمًا.
وهنا نجد فكرة تستحق التأمل:
العقل لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الضغط حتى يعمل بصورة أفضل؛ أحيانًا يحتاج إلى تغيير نوع العمل، والراحة، واستعادة التوازن.
نيكولا تسلا… عندما يصبح العقل شديد الانشغال
وتقدم لنا سيرة نيكولا تسلا مثالًا آخر، وإن كان ينبغي التعامل معها بحذر.
توجد كتابات حديثة تناولت ما وصفه تسلا عن نفسه من سلوكيات وطقوس وقلق واضطرابات في النوم، وحاولت بعض المراجعات الحديثة تفسير هذه الأعراض من منظور نفسي. لكن هذه الاستنتاجات ليست تشخيصًا سريريًا حديثًا يمكن الجزم به.
وتسلا يلفت الانتباه إلى سؤال مهم:
هل يستطيع العقل أن يكون شديد القوة في مجال، بينما يدفع ثمنًا في مجال آخر؟
الإجابة العلمية ليست «نعم» أو «لا» ببساطة.
فالقدرات العقلية ليست وحدة واحدة.
قد يكون الإنسان ممتازًا في حل المشكلات، لكنه يعاني في التركيز أثناء القلق.
وقد يمتلك ذاكرة قوية للمعلومات المتخصصة، لكنه ينسى التفاصيل اليومية عندما يكون مرهقًا.
وقد يكون مبدعًا للغاية، لكنه يحتاج إلى فترات من الراحة لاستعادة توازنه.
هل يمكن للصحة النفسية الجيدة أن تحسن الذاكرة؟
إذا كانت الضغوط النفسية تؤثر في الذاكرة، فمن المنطقي أن نسأل:
ماذا يحدث عندما نعتني بصحتنا النفسية؟
النوم المنتظم، والحركة البدنية، وتقليل الضغوط المزمنة، وتنظيم الانفعالات، والحصول على الدعم النفسي عند الحاجة، كلها عوامل يمكن أن تساعد في توفير بيئة أفضل للوظائف المعرفية.
والأبحاث حول الضغط المزمن تشير أيضًا إلى أن بعض آثار الضغط على وظائف الحُصين والذاكرة قد تتحسن بعد انتهاء فترة الضغط، وهو ما يفتح بابًا مهمًا لفهم قدرة الدماغ على التكيف والتعافي.
وهنا تظهر فكرة مهمة:
الدماغ ليس آلة ثابتة.
إنه عضو قابل للتغير والتكيف.
وهذه الخاصية، التي تعرف باسم المرونة العصبية (Neuroplasticity)، تعني أن الخبرات والبيئة والتعلم والضغط النفسي وغيرها من العوامل يمكن أن تؤثر في طريقة عمل الشبكات العصبية.
إذن… هل كل نسيان سببه الحالة النفسية؟
بالتأكيد لا.
وهذه من أهم الرسائل التي يجب أن نوضحها.
ليس كل نسيان اكتئابًا.
وليس كل ضعف في التركيز قلقًا.
وليس كل شرود علامة على اضطراب نفسي.
لكن عندما يلاحظ الإنسان تغيرًا واضحًا ومستمرًا في الذاكرة أو التركيز، خصوصًا إذا كان مصحوبًا بتغيرات في النوم أو المزاج أو القدرة على أداء المهام اليومية، فمن المهم ألا يتجاهل الأمر.
فالذاكرة تعمل داخل منظومة أكبر بكثير من مجرد «قدرة على الحفظ».
إنها تتأثر بما نشعر به، وبما ننتبه إليه، وبما ننام عليه، وبمستوى الضغط الذي نعيشه، وبالطريقة التي يتعامل بها الدماغ مع الخبرات.
الذاكرة مرآة… لكنها ليست مرآة كاملة
ربما أجمل ما يمكن أن نتعلمه من العلاقة بين الصحة النفسية والذاكرة هو أن ذاكرتنا ليست مجرد سجل لما حدث.
إنها عملية حية.
العقل لا يسجل الحياة كما تسجل الكاميرا الصورة.
إنه ينتقي، ويربط، ويصنف، ويعيد بناء الخبرات.
ولهذا يمكن للحالة النفسية أن تغير ليس فقط ما نتذكره، وإنما كيف نتذكره.
فالإنسان القلق قد يبحث في ذاكرته عن الأخطاء.
والشخص المنهك قد يجد صعوبة في استدعاء المعلومات.
والشخص الذي يعيش تجربة مؤلمة قد تظل بعض تفاصيلها حاضرة بصورة شديدة.
أما الشخص الذي يشعر بالأمان والاستقرار، فقد يمتلك مساحة ذهنية أكبر للتعلم والانتباه والاستدعاء.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
«لماذا أصبحت ذاكرتي ضعيفة؟»
بل:
«ماذا يحدث لعقلي وحياتي النفسية عندما تبدأ ذاكرتي في التغير؟»
لأن العقل والجسد والنفس لا يعملون في جزر منفصلة.
وكلما فهمنا هذه العلاقة، أصبح من الأسهل أن نتوقف عن لوم أنفسنا على النسيان، وأن نبدأ في الاستماع إلى الرسالة التي قد يرسلها لنا العقل:
ربما أنا لا أحتاج إلى أن أتذكر أكثر… ربما أحتاج أولًا إلى أن أرتاح أكثر.
مراجع علمية مختارة
-
Kim, E. J., Pellman, B., & Kim, J. J. Stress effects on the hippocampus: a critical review. Learning & Memory.
-
Goldfarb, E. V. Enhancing memory with stress: Progress, challenges, and opportunities. Brain and Cognition.
-
Kim, E. J., & Kim, J. J. Neurocognitive effects of stress: a metaparadigm perspective. Molecular Psychiatry.
-
Schwabe, L. et al. Memory Under Stress: From Adaptation to Disorder. Biological Psychiatry.
-
McEwen, B. S. Plasticity of the hippocampus: adaptation to chronic stress and allostatic load.